محمد أبو زهرة

88

المعجزة الكبرى القرآن

لقد قال تعالى في سورة الدخان في تصوير غذاء المشركين يوم القيامة ، وترى كل كلمة من النص تبين صورة مؤلمة مزعجة لما يتناولون ، ويشترك في الصورة نغمة الكلمات ونسقها وتآخيها . اقرأ قوله تعالى : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ ( 44 ) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ( 46 ) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ( 47 ) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 ) [ الدخان : 43 - 49 ] . ولننظر إليها ، ونبين ما فيها من صورة بيانية ، تتخذ منها ومن أخواتها صور بيانية لأغلظ عيش وأقسى حياة ، وكيف يكون الغذاء كله إيلاما لا إشباع فيه ، وإيذاء لا متعة معه ، ثم يختم القول بتهكم على من كان يحسب نفسه عزيزا كريما والمؤمنين أراذل منبوذين . أولى هذه الكلمات شجرة الزقوم . وهذا استعمال قرآني لم يكن كثيرا عند العرب ، وإن كان أصل اشتقاقه من لغتهم ، والزقوم صيغة مبالغة من الزقم ، الزقم إعطاء الطعام الكريه أو الأمر الكريه ، ويقال تزقم إذا ابتلع شيئا كريها غير مرغوب فيه ، بل تنفر عنه الطباع وتستكرهه . فشجرة الزقوم الشجرة التي لا تثمر إلا ثمرا كريها تعافه النفوس ، ولا يناله المتناول إلا مكرها بإكراه من ذي جبروت ، أو من جوع ، أو من يكون في حال من يريد تناول أي شئ مهما يكن ذلك الشيء ، ومهما يكن مذاقه ، ومهما تكن وباءته ، والتعبير بشجرة الزقوم فيه إشارة إلى أنه طعام مثمر مستمر ؛ لأن ثمراته الوبيئة الكريهة لا تنقطع ، فهي شجرة دائمة الإثمار . وفي هذه الآية يذكرها ، وفي آية أخرى يذكر سبحانه أنها تنبت في أصل الجحيم ، فهي من ثمرات شجر جهنم ، وفي ذلك تصوير لحال الطعام ، وتصوير لحال المقام ، وكيف أن المترف في الدنيا يتنقل من واد نيرانى إلى واد مثله وكل حياته منها ، فإقامته فيها وغذاؤه من ثمار أشجارها ، وبئس مثوى الكافرين . الكلمة الثانية : طعام الأثيم يقول الذين تكلموا في ألفاظ القرآن أن الإثم الأمر المبطئ عن الخير المعوق عنه أو المؤخر له . وعبر عنها بكلمة أثيم ، وهي صيغة مبالغة من أثم وصفة مشبهة تدل على حال دائمة مستمرة ، فهي تدل على أنه فعل الإثم كثيرا ، ولذلك وصف بصيغة الصفة المشبهة ، وهو حال دائمة عنده ، إذ الصفة المشبهة تقتضى أن يكون الموصوف بها في حال دائمة في صفتها لا تفارقه ولا يفارقها ، وهنا معنيان كلاهما يدل على بلاغة اللفظ ، وعظم مؤداه : أول المعنيين : ذكر الوصف الذي يشير إلى أن سبب ذلك الجزاء هو الإثم الدائم الكثير الذي كان منه في الدنيا ، فالجزاء من جنس العمل ، والعدل يقتضى ألا يتساوى المسئ بالمحسن ، فهل يستوى الأعمى والبصير ؟